هند قبوات وأبو الخير شكري… أي إفطار يُقام فوق ذاكرة الأطفال المغيبين؟

لن أبالغ أن قلت أصبح قلبي ثقيلاً و ما عاد يحمله جسدي.
ليس بسبب خبر مفجع ، ولا كارثة أو مفاجئة… بل لأن جرحاً لم يندمل يُعاد فتحه أمام عيون ذوي الأطفال المغيبين، ببرود يكاد يكون مستفزاً.
كنت أتصفح الصور كأي شخص عادي. دعوة مناسبة رمضانيةو إفطار و وجوه مبتسمة. و كلمات عن الخير والتكريم والعمل الإنساني.
حتى هنا، كل شيء يبدو طبيعياً. بل ربما جميلاً.
لكن الصورة التالية كانت كفيلة بأن تغيّر كل شيء. عندما تقع العينان على كل من:

ندى الغبرة ولمى الصواف
فالوجوه التي مرت أسماؤها في تقارير وتحقيقات وشهادات مرتبطة بملف من أكثر الملفات وجعاً و ألماً في ذاكرة السوريين: ملف أطفال المعتقلين، الذين اختفوا في العتمة ولم يعد أحد يعرف أين انتهت حكاياتهم بعد قتل أبائهم و أمهاتهم.
وفي وسط هذه الصور… يجلس الجميع حول مائدة إفطار واحدة….تكريم لهند قبوات لكن على ماذا وما هي أنجازاتها، ربما لأن ملف الأطفال وضع على الرف.
لم نعد نرى سوى ابتسامات.ك وأجواء احتفالية.
هند_قبوات.
و #أبوالخيرشكري.
وهنا يطرح السؤال الذي لا يمكن الهروب منه يا سادة.
كيف يمكن لمائدة يفترض أنها تحمل الخير في شهر الخير أن تجمع هذا المشهد المؤسف فوق جرح لم يندمل بعد؟
كيف يمكن أن يُرفع الكأس الرمضاني في لحظة ما زال فيها آباء وأمهات يبحثون عن أثر طفل اختفى منذ سنوات؟

يا سادة يا أكابر القضية ليست تفصيل صغير….القضية ببساطة… #أطفال.
أطفال وُضع آباؤهم في المعتقلات، ثم خطف أطفالهم فضاعت آثارهم بين الجمعيات و الملفات والقرارات الإدارية والمكاتب المغلقة و فروع الآمن و تجار البشر. أطفال أصبحوا قصصاً يهمس بها الناس في البيوت، ويخاف كثيرون حتى من السؤال عنها بصوت مرتفع.
ولهذا بالضبط، يظهر علينا مسؤلين ومعهم متهمين لهم ارتباط بالنظام البائد فتبدو هذه الصور أكثر قسوة مما قد يتخيله البعض.
الإفطار ليس جريمة، ولا اللقاءات الاجتماعية مشكلة.
المشكلة أن الذاكرة ما زالت حية.
والجراح لم ينزف و القلوب تعتصر آلم.
قبل أشهر، كانت لجنة تحقيق قد أنجزت تقريراً حول ما جرى داخل مؤسسة “لحن الحياة”، بتكليف من وزير الشؤون الاجتماعية السابق #فادي_القاسم. تقرير مليء بالشهادات والوثائق، كان قد انتهى بتوصيات واضحة، منها الدعوة إلى توقيف عدد من المسؤولين السابقين في دور الرعاية.
الأسماء معروفة…لم ولن تغيب عن الذاكرة
لكنها اليوم ظهرت في صور الإفطار.
بعد أن… تغير كل شيء.
الوزارة تغيرت.
اللجنة حُلّت.
وبقيت التوصيات في دهاليز اللجان الجديدة والوعود بإعادة التحقيق.
ربما يقدمون تفسير إداري وأسباب قانونية لا يعرفها الرأي العام. لكن ما يراه الناس اليوم بسيط جداً: شخصيات كانت موضع اتهام و تحقيق و مرتبطة بزوجة الرئيس الهارب يجلسون اليوم في احتفال علني، بينما لا يزال ملف الأطفال معلق بين الصمت والانتظار.
وهنا يصبح السؤال موجه مباشرة إلى هند قبوات.
هل كانت تعرف من يجلس إلى تلك المائدة؟
هل تعرف لماذا كُفَّت يد ندى الغبرة ولمى الصواف وميس عجيب سابقًا عن إدارة “لحن الحياة”؟
وهل تعلم أن عائلات كثيرة ما زالت تنتظر و تعيش على أمل خبر واحد فقط عن أطفالها؟
ربما لم يكن أحد يقصد الاستفزاز. وربما كانت المناسبة مجرد إفطار عابر في جدول مزدحم باللقاءات. لكن الحقيقة المؤلمة أن بعض الصور لا تبقى مجرد صور… بل تتحول إلى رسالة.
ورسالة هذه الصور وصلت واضحة إلى أهالي الأطفال الذي ينتظرون الحقيقة.
لكن العالم من حولهم يمضي في حياته كأن شيئاً لم يحدث.
وهذا، هو أقسى مافي الحكاية.
فالعدالة ليست فقط قرار قضائي يصدر في نهاية التحقيق.
العدالة تبدأ حين يشعر الضحايا أن أوجاعهم يُحترم… وأن قضاياهم ليست مجرد ملف مؤجل على طاولة وزارة.
قضية أطفال المعتقلين ليست قضية شخص أو مؤسسة أو وزارة.
هي جرح مفتوح في ذاكرة بلد عانى الويلات و يُتم أطفاله.
والجرح، لا يلتئم إذا قررنا ببساطة أن نتوقف عن النظر إليه.


