أخبار الساعةتقارير دولية وحقوقية

من قاعة البرلمان الأوروبي إلى مشانق طهران: أوروبا في مواجهة الامتحان الحقوقي الإيراني

في العاشر من كانون الأوّل ٢٠٢٥، اليوم العالمي لحقوق الإنسان، تحوّل البرلمان الأوروبي في بروكسل إلى ما يشبه محكمة ضمير مفتوحة أمام العالم. لم تكن الجلسات التي خُصّصت لإيران مجرّد فعالية بروتوكولية عابرة، بل اعترافاً بأنّ هذا البلد لم يعد ملفاً نووياً فقط، بل جرحاً حقوقياً نازفاً: دولة تُحكم بالمشنقة، وسجون تتحوّل منذ عقود إلى مسرح لمجزرة بطيئة.

الأرقام التي طُرحت داخل القاعة صادمة بقدر ما هي موثّقة: أكثر من ٢٦٠٠ إنسان أُعدموا خلال ستة عشر شهراً فقط، بينهم نساء وقاصرون، وما لا يقلّ عن ١٨ سجيناً سياسياً يقفون اليوم على حافة حبل المشنقة لمجرّد دعمهم لمشروع جمهورية ديمقراطية بديلة. هذا ليس تشدداً قضائياً، بل سياسة حكم كاملة، تستخدم الإعدام الجماعي كوسيلة لإدارة المجتمع وإخافة أي معارضة. لذلك لم يتردد عدد من خبراء القانون الدولي الذين شاركوا في الجلسات في توصيف ما يجري بأنه يرقى إلى «جرائم ضد الإنسانية»، مع عناصر متكررة: محاكمات صورية، تعذيب، إخفاء قسري، وتدمير قبور السجناء السياسيين لطمس الذاكرة.

في قلب هذا المشهد، برزت كلمة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، بوصفها صلة بين معاناة الضحايا ومشروع سياسي واضح. رجوي تحدّثت عن نظام يعيش «أعمق أزماته منذ قيامه»، ويرد على هذه الأزمة بمزيد من الدم؛ من انتفاضات ٢٠١٩ و٢٠٢٢ إلى موجة الإعدامات في ٢٠٢٥. لكنها لم تكتفِ بوصف الانتهاكات، بل قدّمت رؤية لبديل: مقاومة منظّمة، وحدات نشطة في الداخل، وبرنامج لجمهورية ديمقراطية علمانية تقوم على فصل الدين عن الدولة والمساواة بين المرأة والرجل. من زاوية حقوقية، هذا الطرح يجسّد جوهر «الحق في تقرير المصير» لشعب يرفض دكتاتورية الملالي كما يرفض عودة دكتاتورية الشاه، ويطالب بدولة تحترم إنسانية مواطنيها.

Images (1)

ما طلبته رجوي من أوروبا جاء في إطار حقوقي صريح: لا علاقات طبيعية مع نظام يُكثر من الإعدامات، من دون وقف فوري لهذه السياسة؛ إدراج الحرس الثوري ووزارة المخابرات على قوائم الإرهاب؛ وإغلاق السفارات والمراكز التي تُستخدم – بحسب تجارب عديدة – أدواتٍ للقمع العابر للحدود ضد المعارضين. في المقابل، لم تكن القاعة خالية من التساؤلات الضمنية حول وزن المعارضة في الداخل، لكنّها لم تطغَ على حقيقة أساسية: وجود بديل منظم يطالب بدعم دولي لحقوق الإنسان في إيران، لا لتدخل عسكري خارجي، بل لوقف الإفلات من العقاب.

اللافت في جلسة بروكسل أنّ النقد الحاد لسياسة «المهادنة» لم يصدر عن ناشطين فقط، بل عن مسؤولين أوروبيين سابقين شاركوا في صناعة تلك السياسة. أصوات مثل غاي فيرهوفشتات وماتيو رينزي قالت بوضوح إنّ استراتيجية الاسترضاء فشلت: لا البرنامج النووي جرى كبحه بصورة دائمة، ولا نفوذ الحرس الثوري في المنطقة انحسر، ولا أوضاع حقوق الإنسان تحسّنت؛ بل على العكس، كل تنازل سياسي أو قضائي من جانب أوروبا كان يُقرأ في طهران كإشارة ضعف تشجّع على مزيد من القمع والإعدامات. هنا تبرز نقطة جوهرية: حين تغضّ ديموقراطيات راسخة الطرف عن الإعدامات الجماعية والتعذيب من أجل صفقة نووية أو عقد تجاري، فإنها لا تخون ضحايا إيران فحسب، بل تضرب منظومة القانون الدولي في الصميم، وتبعث رسالة إلى الطغاة مفادها أن حقوق الإنسان قابلة للمساومة.

ملف مجزرة ١٩٨٨ حضر هو الآخر بقوة، لا بوصفه حدثاً من الماضي، بل جزءاً من الحاضر المستمر. منظمة «العدالة لضحايا مجزرة ١٩٨٨ في إيران» أعلنت أن بياناً يطالب بوقف إعدام السجينة السياسية زهرة طبري وسجناء آخرين على طابور الموت حظي بتأييد أكثر من ٣٠٠ شخصية نسائية بارزة حول العالم، من رئيسات دول إلى حائزات جائزة نوبل. هذه المبادرة تذكّر بأنّ سلسلة الإعدامات الحالية ليست سوى امتداد مباشر لتلك المجزرة؛ الآلية نفسها، والعقلية ذاتها، وفارق الزمن لا يلغي ضرورة المحاسبة.

إلى جانب البعد القانوني، طرح خبراء العدالة الدولية سلسلة خطوات عملية يمكن لأوروبا أن تعتمدها إذا أرادت أن تتجاوز حدود البيانات الرمزية: تفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية لملاحقة المسؤولين المتورّطين في التعذيب والإعدامات عندما يسافرون إلى أوروبا، فرض عقوبات فردية على القضاة وقادة الأجهزة الذين تثبت مسؤوليتهم عن الانتهاكات، حماية اللاجئين السياسيين والمعارضين المقيمين في الدول الأوروبية من تهديدات القمع العابر للحدود، وربط أي حوار سياسي أو اقتصادي مع طهران بتحسّن ملموس وقابل للقياس في ملف حقوق الإنسان.

في النهاية، ما جرى في البرلمان الأوروبي لا يغيّر واقع إيران في ليلة واحدة، لكنه يضع أوروبا أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: هل ستبقى القارة التي تتباهى بإعلان حقوق الإنسان مستعدة لغضّ النظر عن مشانق طهران من أجل التخصيب النووي والغاز والعقود، أم أنّها ستعامل النظام الإيراني بما ينسجم مع خطورة الجرائم المنسوبة إليه؟

من قاعة البرلمان الأوروبي إلى زنازين إيفين وقزل حصار، الخيط واحد: أصوات تطالب بالعدالة هنا، ووجوه تنتظر هناك أن تتحوّل هذه الأصوات إلى أفعال. ما سيحسم هذا الامتحان ليس بلاغة الكلمات، بل شجاعة القرارات التي ستتخذها أوروبا في الشهور المقبلة، بين منطق المصالح الضيقة ومنطق الكرامة الإنسانية التي تدّعي الدفاع عنها.

Photo 2025 11 25 13 27

بقلم: نظام مير محمدي

كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى